
صفقة العار: كرامة المرأة العراقية في مهب الريح
كتب ضاحى عمار
منذ سقوط النظام العراقي السابق في عام 2003، والتحول إلى النظام الديمقراطي البرلماني، أصبح العراق ساحة للصراعات الطائفية والقومية، وأداة في أيدي الأحزاب السياسية المتنافسة على السلطة. المحاصصة الطائفية أصبحت هي الأساس في إدارة البلاد، ومعها ظهرت أشكال من المساومات السياسية التي كانت تهدف في ظاهرها إلى تحقيق مصالح طائفية أو قومية، لكنها في الحقيقة كانت تجري على حساب المواطن العراقي وحقوقة
واحدة من أبرز تجليات هذه المساومات السياسية هو ملف الأقليات الدينية، الذي استخدم كأداة بين الأحزاب المتنفذة لتوزيع المقاعد البرلمانية. هذه المساومات لم تتوقف عند المقاعد، بل امتدت إلى التأثير على نسيج المجتمع العراقي، حيث بيعت حقوق الأقليات مقابل تحقيق مصالح ضيقة للأحزاب. قادة هذه الأقليات الذين كان من المفترض أن يدافعوا عن مكوناتهم، أصبحوا جزءاً من لعبة المساومات، مما جعل حقوق الأقليات في مهب الريح.
وفي السياق الاقتصادي، لم تكن المساومات بعيدة عن المشهد. فعلى مدار السنوات الماضية، كانت مشاريع الدولة توزع كغنائم بين الأطراف السياسية المختلفة. وقد شهدت ميزانية العراق للعام الماضي العديد من المساومات قبل إقرارها، مما أدى إلى تبديد الثروات العامة لصالح الطبقة السياسية الفاسدة. تصريحات نوري المالكي في هذا السياق كانت واضحة عندما أشار إلى وجود مساومات وراء إقرار الميزانية، مؤكداً أن هذه العملية أصبحت جزءاً من المشهد السياسي اليومي في العراق
المساومة الأخطر، والتي تهدد اليوم كرامة المجتمع العراقي بأكمله، هي تلك المتعلقة بمشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية لعام 1959. هذا المشروع يسعى لتمرير قوانين من شأنها إضفاء الشرعية على تزويج القاصرات، مما يعد انتهاكاً صريحاً لحقوق الطفل والمرأة في العراق. يسمح التعديل المقترح للأولياء بتزويج بناتهم القاصرات من عمر الطفولة، سواء كنّ راضيات أو مجبرات، الأمر الذي يعيد العراق إلى عصور مظلمة تنتهك فيها حقوق الإنسان بأبشع الصور.
كما أن التعديل المقترح يعزز من سلطة رجال الدين في عقد زيجات “المتعة”، وهي زيجات مؤقتة يتم الاتفاق عليها لفترة زمنية محددة، مما يفتح الباب لانتشار الدعارة تحت غطاء ديني. هذا النوع من الزواج، الذي يتم برعاية رجال الدين، لا يعدو كونه شكلاً من أشكال الدعارة المقننة، حيث تُستغل النساء، وخاصة الفقيرات منهن، في عقود مؤقتة ثم يتم رميهنّ ليعدن مرة أخرى إلى دائرة الفقر والاحتياج
المشهد السياسي في العراق لا يخلو من التواطؤ. الأحزاب الشيعية التي تسعى لتمرير هذا التعديل تعمل بجدية لإرضاء بعض الأطراف السنية مقابل تنازلات أخرى، منها إطلاق سراح الدواعش والإرهابيين الذين قتلوا أبناء الشعب العراقي. هذه المساومة القذرة تعد واحدة من أبشع صور الخيانة في التاريخ الحديث للعراق. فالتحالف الشيعي، الذي يدعي حماية حقوق الشعب، بات اليوم شريكاً في مساعي تشريع قوانين تكرس الطائفية والاضطهاد الاجتماعي.
الأحزاب السنية من جانبها، لا تتردد في المساومة على هذا المشروع مقابل تحقيق مصالحها في قضايا أخرى مثل إطلاق سراح السجناء والمعتقلين. هذه الصفقة الخبيثة لا تعكس سوى مدى الانحطاط السياسي الذي وصلت إليه الأطراف المتناحرة في العراق، حيث تُباع حقوق الأطفال والنساء في مقابل مكاسب سياسية ضيقة.
رغم الدعم الذي تحظى به هذه التعديلات من بعض الأطراف السياسية، إلا أن هناك موجة كبيرة من الغضب الشعبي ضد هذا المشروع. النساء العراقيات، إلى جانب منظمات المجتمع المدني، يقفن في الصفوف الأمامية ضد تمرير هذه القوانين. فالتظاهرات التي شهدتها المدن العراقية في الأسابيع الأخيرة تعكس رفضاً قاطعاً لهذا التعديل الذي يهدف إلى قمع المرأة وتكبيل حقوقها.
بالإضافة إلى ذلك، تشهد الأوساط القانونية والدولية موجة من الاعتراضات على هذا التعديل، خاصة أن العراق كان قد وقع على اتفاقية حقوق الطفل في يونيو 1994. هذه الاتفاقية تلزم العراق بإصلاح قوانينه الخاصة بحماية حقوق الطفل بما يتماشى مع المعايير الدولية، مما يجعل تمرير هذا التعديل انتهاكاً صريحاً للالتزامات الدولية التي تعهد بها العراق.
الأمل في إفشال المشروع: التصدي الجماهيري
في ظل هذه التحديات، يبقى الأمل قائماً في إفشال هذا المشروع المشين من خلال تواصل الضغوط الشعبية والتظاهرات المستمرة. الشعب العراقي يعي اليوم أكثر من أي وقت مضى ضرورة الوقوف ضد هذه الصفقة التي تمتهن كرامة المرأة وتعرض مستقبل الأطفال للخطر. كما أن الضغط الدولي، خاصة من المنظمات الحقوقية، يمكن أن يسهم في منع تمرير هذا القانون الذي يشكل خطراً كبيراً على المجتمع.
ختاماً، تبقى كرامة المرأة العراقية في مهب الريح، لكن هذا الريح السوداء يمكن إيقافه إذا ما تضافرت الجهود الشعبية والدولية معاً لمنع تمرير هذا التعديل المشين.






